السبت 29 أفريل 2017 ميلادي الموافق لـ 3 شعبان 1438 هجري
ساقها المبتورة وهمتها المرفوعة!
سمية سعادة
2017/04/19
  • 2932
  • 4
الكلمات المفتاحية :آراء ومواقف

كان يوما واحدا هو ذاك الذي يفصل وردة عن بتر ساقها، وأنا في طريقي إليها في مستشفى مصطفى باشا، كنت أبحث عن أقوى الكلمات لأخمد بها نار الحزن التي توقعت أنها تتأجج في صدرها، مع أن أبلغ كلمات المواساة لن تفيد في موقف صعب كهذا لامرأة شابة تعرف أنها ستواصل حياتها بقدم اصطناعية يتعين عليها أن تنتزعها من مكانها كلما أوت إلى فراشها..

ولكن ما إن دلفت إلى الغرفة التي ترقد فيها، حتى قابلتني بوجه بشوش يقطر حسنا وجمالا، حتى المرض الخبيث الذي تسلل إلى جسدها، والعلاج الكيميائي الذي حقنت به لمرات عديدة، لم يترك أثره عليها حتى خلت أن الأطباء قرروا أن يبتروا ساقها خطأ، فرحت أمازحها قائلة: "ربما سيكتشفون غدا بأنك لست بحاجة إلى البتر"، فليس هناك ما يشي بأنها تعاني من ورم خبيث، سوى ساقها التي لا تستطيع أن تمددها، وكان من الممكن أن تخضع لعملية جراحية يتم استئصال الجزء المصاب فقط، لولا أن الأطباء استغرقوا وقتا طويلا قبل أن يشخصوا حالتها على أنها سرطان، ناهيك عن اللامبالاة التي قوبلت بها في مستشفى قسنطينة الذي صارت تفضل الموت على أن تعود إليه.

في الوقت الذي توقعت أن أراها وردة ذابلة تئن من الألم والحزن وهي على بعد أمتار من قاعة الجراحة التي ستشهد بتر ساقها من فوق الركبة، وجدتها أقوى من شخص سينتزع ضرسه عند طبيب الأسنان، وأسعد من امرأة في يوم زفافها، كانت تعي جيدا معنى أن يبتر ساقها وهي لا تزال في الـ 36 من عمرها وأما لطفلين صغيرين وموظفة في إحدى الإدارات، ولكن لأنها أدركت أن الله لم يبتليها بهذا الابتلاء الصعب إلا لأنه يحبها ويريدها أن تأوي إليه، فقد هانت عليها مصيبتها، وراحت تعدد النعم التي أنعم بها الله عليها، من زوج صالح وطفلين جميلين ومنصب عمل، أفلا تتدثر بالصبر والرضا عندما يصيبها ابتلاء من صاحب العطاء والجود؟!، وشعرت أنها تستضعف همتها وهي تتحدث لي عن الفتاة الصغيرة التي بترت يدها ولكنها ظلت تقوم على خدمة المريضات في إحدى قاعات المستشفى وهي تحمد الله على أنه ترك لها يدا لتفعل بها الخير، في هذه اللحظة، أدركت  كم نحن ضعفاء عندما نجأر بالشكوى من همومنا اليومية البسيطة، وكم نحن حمقى عندما تخور قوانا أمام موقف صعب أو مشكلة عويصة ونحن لا نزال نحتفظ بعافيتنا، فهل هناك أصعب من أن يفقد الإنسان صحته التي يتوكأ عليها في الشدائد والمحن، فكل الهموم والمشكلات مآلها  أن تزول أو يتأقلم معها المرء إلى أن تسقط عنها صفة الأزمة، إلاّ المرض عندما ينشب أنيابه في الجسد فلن يملك صاحبه أن يرده أو يصاحبه إلا من أوتي نفسا قوية صابرة وكذلك هو حال وردة الجميلة التي أسلمت الروح لبارئها منذ أشهر قليلة بعد أن انتشر المرض في جسمها، ولكنها ظلت توصي أمها بالصبر إلى أخر رمق من حياتها.

طالع ايضا
التعليقات (4 نشر)
1

Anaya

2017/04/19

لماذا أحزن؟
وبين كل دقيقه ودقيقه فرج من رب السماء
لماذا أحزن؟
ورزقي مكتوب وعمري محسوب وأجلي لاأعلم متى سيكون
لماذا أحزن؟
وربي أرحم بي من الأم بالمولود
لماذا أحزن؟
وإذا أستغفرت يرزقني ربي وتنجلي كل الهموم
لماذا أحزن؟
وربي إذا أراد شيء قال له كن فيكون
لماذا أحزن؟
وثقتي بربي و قضائه ليس لها مثيل
اذا إنكسرت أسجد لله وقل يا جبار أجبرني وإذا إنظلمت
أسجد بينَ يديهّ وقلّ يا عادل أنصرني وأذا ضاقت بك الدنيا ولم تجد صاحبا فأعلم ان الله أقرب إليك بكثير مما تتخيل!
فلا تحزن أبدا أبد
2

*

2017/04/19

رحمها الله و ألهم ذويها الصبر ..
ليس سهلا تقبل بتر عضو من الجسم ، الله يكون في عون كل مبتلى
3

hamid l emigré

algerie

2017/04/20

لو كانت الساق المبتورة مستورة لكانت الراس المرفوعة مأجورة
4

الونشريسي

لمياء

2017/04/21

شكرا على هذا الباقة الايمانيةاللطيفة.
أضف تعليقك



اضغط مرتين على أي خانة كتابة لتظهر لوحة المفاتيح الافتراضية.
عدد الأحرف المتبقية 500

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:



إعلان
آخر فيديو
تفاعل