الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 ميلادي الموافق لـ 24 شهر ربيع الأول 1439 هجري
"الشروق" تكتشف الوجه الآخر لعمل الطبيبات والقابلات في الليل
الشرطة والسكين والقتل في قاعات التوليد
كريمة خلاص
2017/11/09
صورة: الأرشيف
  • 11985
  • 3
الكلمات المفتاحية :القابلات، قاعات التوليد
أغلب الحالات غير استعجالية وحوامل يلدن بـ "التفياس"

أروقة عمّها الغدو والرواح والصياح.. نساء ببطون منتفخة في مراحل حمل مختلفة في قاعات الانتظار والفحص.. أصحاب المآزر البيضاء وملائكة الرحمة يتنقلون هنا وهناك.. ملفات كثيرة على المكاتب ووصفات لا تنقطع.. تعلو أصوات الأعوان بين الحين والآخر هاتفين بأسماء المريضات... هذا مشهد من المشاهد اليومية المتكررة للمناوبة الطبية الليلية في مصلحة الاستعجالات الطبية لأمراض النساء والتوليد بالمستشفى الجامعي نفيسة حمود "بارني" سابقا التي يرأسها البروفيسور مقران مشطوح.

"الشروق" عاشت تلك الأجواء وتنقلت مع الأطباء المناوبين عبر مختلف الأقسام "الكشف والفحص التحضير للولادة غرفة الولادة وغرفة العمليات القيصرية"، ووقفت على صعوبات جمّة يواجهها هؤلاء لخدمة مرضاهم، لكن رغم كل هذا توجه دوما إليهم أصابع الاتهام بالتقصير، فحرصت على نقل الجانب الخفي الذي يجهله المريض، بعد أن فتح الفريق الطبي النسوي بامتياز لنا قلوبه وفضفض عن أهم ما يواجهه من مشاكل مهنية وهو يسهم في استقدام البراءة لهذه الدنيا وإدخال السعادة إلى قلوب الوالدين والعائلة. 

 

حوامل يحجزن مكانا للولادة بـ "التفياس"

كانت الساعة في حدود الثامنة ليلا عندما قصدنا المصلحة، غرفة الانتظار مملوءة عن آخرها يفصل بينها وبين غرف الفحص باب كبير يفتح من الحين إلى الآخر لاستدعاء مريضة للكشف. بعدها تجلس المريضة ويقابلها عدد من الأطباء. وبعد عرض المريضة لحالتها تمر للكشف، ومن ثم يقرر الفريق العامل قبولها أو العودة مرة أخرى عند ازدياد نوبات الألم وتكررها...

استرعى انتباهنا ونحن في غرفة الفحص إصرار سيدة على البقاء في المستشفى رغم أن كل المؤشرات كانت توحي بأن ولادتها ستتأخر إلى الغد. والملفت للانتباه أن الحجة كانت بدافع عدم امتلاكها سيارة فقد استأجرت "كلوندستان" والعودة ستكلفها تسديد المستحقات مرة أخرى.

ورغم المحاولات المتعددة للإقناع إلا أنها تحدت الأطباء وقالت: "أنا أعرف نفسي جيدا سألد في الساعة السادسة صباحا هكذا في كل مرة مع أولادي السابقين".

حاولت الطبيبة والقابلة وغيرهما إقناعها لكنها أبت إلا أن تنتظر في القاعة مع أمها العجوز.

سيدة أخرى في حملها الأول بدا من ملامحها أنها عنيفة كانت ترفض اقتراب الأطباء منها وهي في حالة نفسية محبطة وبالكاد اقتربت منها إحدى الطبيبات المقيمات لأخذ بياناتها وحالتها.

أمّا السيدة التي انتظرت في المصلحة دورها منذ الرابعة مساء إلى غاية العاشرة ليلا فقالت إن طفلها "يعاني" في رحمها حسب رأي طبيبتها وإن نموّه توقف، كانت صامتة وحزينة وكأنها استسلمت للأمر تنتظر بشرى من طبيبة المستشفى علها تأتي رأيا مخالفا، ورغم حالتها الاستعجالية إلا أنها التزمت الهدوء وانتظرت في قاعة الانتظار دون فوضى.

وقبل إنهاء الحديث تدخل سيدة أخرى في الأربعينيات من العمر تعاني السكري تريد الإنجاب قبل الشهر التاسع بسبب اضطراب السكري لديها وتأثر حالتها الصحية.. حاولت الطبيبة والقابلة إفهماهما أن الجنين لم يكتمل نموه بعد ولن يعيش إذا أخضعت للولادة لكنها أصرت على رأيها مع ضرورة إنقاذ طفلها.. وغضبت فقط لأن الطبيبة نصحتها بريجيم غذائي لتعديل السكري في الدم قائلة إنها حامل ويجب أن تأكل كل ما تشتهيه ولم تجد معها كل المحاولات لتحال بعدها إلى قاعة الانتظار...

غادرنا المصلحة في حدود الواحدة والنصف صباحا دون أن نشعر بمرور الوقت نظرا إلى الحيوية التي كانت تسير بها وكانت خلالها غرفة العمليات تحضر لإنقاذ سيدة يعاني جنينها التفاف الحبل السري حول رقبته وحينها طلبت الطبيبة المساعدة الفريق للإسراع بتحضير الغرفة وإسعاف الحامل... 

 

حوامل يرغبن في "التحواس" والإقامة بدل الولادة

"أخيرا التفتت مالينا فعلا لا أصدق أنكم ستتكلمون عن مشاكلنا فقد تعوّد الجميع على اتهامنا" بهذه العبارة استقبلتنا الطبيبة المقيمة مهني نبيلة التي بدا من حديثها تأثرها الكبير بما يعانونه يوميا..

وحسب مهني فإن أوّل المشاكل تبدأ من قاعة الاستقبال التي يغيب فيها الأشخاص المؤهلون في كيفية امتصاص قلق المريض وحسن توجيهه، وأثارت المختصة نقطة هامة تتعلق بفرز المرضى الذين يقصدون الاستعجالات ليلا وهم في اغلبهم حالات عادية تستطيع الانتظار لكنها تصر على الاستيلاء على مكان المريض الحقيقي الذي ينتظر بينما حالته تتعقد وتتضاعف، لذا تحولت الاستعجالات إلى مصلحة للتشخيص والفحص على حساب الحالات المستعجلة وبعد ذلك نتهم بالتقصير.

وشبهت المختصة المصلحة ليلا بفضاء التنزه "الصابلات" فالإقبال المكثف يجعلنا نتساءل عن السبب في خروجهن في هذه الساعة بالذات، رغم أن وضعهن ليس استعجاليا وكثيرا ما تجيبنا السيدات أنهن "كن مارين بالجوار بعد القيام بنزهة أو زيارة إحدى العائلات فقررن الاطمئنان على حملهن".

 

جلب الشرطة وتحطيم الزجاج من أجل الولادة

أجمعت القابلات والطبيبات والفريق الطبي المناوب أن النساء الحوامل أصبحن يقصدن مصالح الولادة مرفوقات بأعوان الشرطة وجيرانهم وحتى بعض الأهل حيث تأتي المرأة ومعها "قبيلة" لإرغام الطبيب على إدخالها حتى وإن كانت حالتها لا تستدعي ذلك.

وهو ما أكده بعض أعوان الشرطة الذي صرح بأنه كثيرا ما يستنجد بنا لإدخال النساء إلى المستشفى ونحن نحاول ذلك بما نستطيع وبما تسمح به إمكانيات الاستيعاب داخل المصلحة. 

وكثيرا ما يقوم هؤلاء بتكسير زجاج النوافذ أو تكسير إقفال الأبواب من شدة الطرق العنيف والدخول في شجارات بالأيادي مع الأعوان والأطباء أحيانا.

 

توليد الحوامل على وقع التهديد بالسكين والقتل 

أجمع الأطباء الذين تحدثنا إليهم خلال المناوبة أن العنف اللفظي والجسدي الذي يتعرضون له ازدادت حدته في المدة الأخيرة، لاسيما بعد حادثة عين وسارة التي اتهمت فيه القابلة وتوفيت على إثرها سيدة حامل.

الطبيبة باجي تقول ليس لدينا أي شيء ضد المرضى فنحن نعمل لأجلهم ونسعى لإرضائهم لكننا نشهد خلال عملنا عنفا لفظيا وشتائم بالجملة يتهموننا بالقتل وينعتوننا بأبشع الصفات.

وعادة ما تنشب الشجارات والملاسنات بسبب "القوافل" التي ترافق المريضة من أهل وجيران حتى الأطفال والعجائز نجدهم أحيانا قي قاعات الانتظار مع المريضة، والأدهى من ذلك تدخلهم لتحديد الأولويات بين المرضى وكيف أننا قدّمنا فلانة وأخرنا علانة.

وفي السياق تستحضر إحدى الطبيبات المقيمات ما وقع لها منذ أيام خلال مناوبتها حيث هددها زوج إحدى الحوامل بالقتل ورفع في وجهها السكين الحاد ولولا فطنتها وهروبها وغلقها باب القاعة لحدث ما لا يحمد عقباه.

وعن أعوان الأمن يقول الأطباء أنهم بالكاد ينجزون مهامهم وأنهم لا يحوزون أي وسائل دفاعية وفي انتظار تدخل الشرطة يكون قد وقع البلاء.

طبيبة التخدير والإنعاش لطّاط طاوس اثارت مسألة قلّة العاملين في اختصاصها الذي يعد حساسا ويتطلب انتباها وحرصا كبيرا، وهو ما يشتتهم بين مختلف الغرف للوقوف على وضع المريضات سواء بين غرفة العمليات وقاعات الإنعاش.

وعددت لنا لطاط  بعض المواقف المنتقصة لشأنهم والسلوكات المهينة التي يقوم بعض مرافقو المريضة وأحيانا المريضة ذاتها، مثنية في السياق على سلوكات أخرى لمريضات على قدر كبير من الأدب واللباقة.

واستطردت قائلة لا يمكننا إرضاء الجميع لذا نحاول امتصاص خوف المريضة وألمها ونظهر شدة وجلدة في التعامل رغم أننا نعلم في أعماقنا أن الأمر مؤلم حتى وإن كانت الغاية مرتبطة بحدث سعيد في الأسرة.

وتضيف المختصة أن اغلب المريضات لا يتابعن حالتهن الصحية باستمرار ويخفين عنا بعض الامراض التي قد يعانين وهو ما يجعلنا نفاجئ بأعراض فجائية تحيلنا الى طوارئ كان بالإمكان اجتنابها، ولا نحصل على المعلومة الا من خلال مؤشرات واستفسارات حيث نتأكد ان المريضة مصابة بالضغط الدموي أو السكري.

 

"مجنونات" يرفضن التخدير 

ومن المضحيات المبكيات التي يصادفها الأطباء هو استقبال حالات لمريضات يعانين أمراضا عقلية أو نفسية، وهنا تروي لنا إحداهن ما وقع لها مع مريضة عقلية حضرت للولادة ورفضت التخدير أو غرز الإبرة في يدها فهربت والإبرة في يدها وأصبح الجميع يجري وراءها لإمساكها خوفا مما قد ترتكبه. وتضيف المتحدثة بعد جهد جهيد استطعنا تخديرها وتوليدها. 

 

تعقيم التجهيزات ونقص المستلزمات هاجس يؤرق الأطباء.. 

صادف خلال مناوبتنا تسجيل عطب بجهازي تعقيم الوسائل وهو ما عرقل السير الحسن للعمل.. ورغم أن الجهازين ليسا قديمين برأي الأطباء إلا أن الاستغلال المكثف لهما نتيجة الإقبال الشديد للمرضى جعلهما يتضرران بين الحين والآخر ولا يعملان إلا بعد الإصلاح التقني.

كان بإمكان الفريق المناوب رفض استقبال المرضى وتحويلهم إلى المؤسسات الأخرى، لكن ذلك لم يحدث واستعانوا بأجهزة المصالح المجاورة للمستشفى في كل مرة تحول الوسائل مع عون الأمن فيأخذ علبتين ويجلب علبتين أخريين إلى غاية الانتهاء من كافة التدخلات الطبية.

وأحيانا أخرى تؤكد الطبيبة مهني تنتهي التجهيزات المخصصة قبل نهاية العمل فنضطر للتفكير في طرق أخرى لتوفيرها.

 

حتى الصابون السائل المعقم لليدين لا يوجد بالمصلحة

وتعقب مهني قائلة "في كل مرة يتدخل البروفيسور مشطوح رئيس المصلحة للمطالبة بتوفير هذه الأمور، رغم أن الأمر ليس من مهامه ويفترض وجود من يتكفل بذلك، لكنه يضيف إلى مهامه في الجراحة والإشراف والتدريس أعباء إضافية فتصوروا هذا الوضع الذي نتخبّط فيه؟".

 

توليد نساء من مختلف الولايات

تستقبل مصلحة توليد النساء بنفيسة حمود (بارني) حالات من مختلف ولايات الوطن على غرار المسيلة والبويرة وقسنطينة وغيرها، حسب ما صرحت به الطبيبة المساعدة باجي سارة، حيث قالت "لا نرفض أي مريضة تكون بحاجة فعلية للاستشفاء وهي مسألة تمليها علينا ضمائرنا بالإضافة إلى تعليمات البروفيسور مشطوح رئيس المصلحة".

وتقتصر حالات الرفض فقط بالنسبة للولادة قبل موعدها لانعدام الحاضنات التي يوضع فيها المواليد الخدج ونرفقهم بتوصية لتوجيههم نحو مصالح أخرى.

ومحدودية الحاضنات ليست مرتبطة ببارني فقط، بل تخص جميع المصالح نظرا لمحدودية المساحة، حسب تبرير الأطباء.

 

24 ساعة عمل دون انقطاع..

الأطباء: نضحي بعائلاتنا من أجل عملنا فكيف نهمل مرضانا 

تنعكس المناوبات والعمل المستمر المنهك على الحياة اليومية والأسرية للمختصين لاسيما بالنسبة للمتزوجين الذين يدفع أبناؤهم ثمن غيابهم عن البيت، وعن هذا تقول باجي سارة ولطاط طاوس نضحي بعائلاتنا في سبيل خدمة المرضى، فأبناؤنا يكبرون بعيدا عنا وأزواجنا نلتقي بهم بين الفترة والأخرى وحتى أهلنا بتنا نخطط للحصول على وقت قصير لزيارتهم، وهنا نستذكر باجي والدها الذي يجري عملية جراحية دون أن تستطيع مرافقته أو التواجد معه فتفيض عيناها بالدموع وهي تودعنا وتطلب منا الدعاء له بالشفاء، بينما تستحضر لطاط كلام أطفالها الذين يؤنبونها لغيابها عنهم حتى في المناسبات فهم لا يقضونها معها كبقية الأطفال وما زاد الطين بلة هو أن الوالد أيضا في نفس الوضع فتقول بالكاد نلتقي 10 أيام في الشهر أنا وزوجي مع أطفالنا الذين باتوا يكرهون مهنتنا، لأنها فرقتنا عنهم.

وتضيف المتحدثة أكثر من هذا لا نجد الوقت حتى لتناول وجباتنا في ظل العمل المكثف، فعلى عكس بقية المصالح مناوباتنا ليس فيها أي قسط من الراحة.

وبشهادة البعض فإن من العاملات من فقدت جنينها بسبب الارهاق وضغط العمل.

وتتساءل المتحدثتان كيف لنا بعد كل هذه التضحيات أن نهمل مرضانا الذين نعمل لأجلهم؟

طالع ايضا
التعليقات (3 نشر)
1

2017/11/09

ما كاش منها عند المدخل الكبير تاع السبيطارو ما يخلوكش تدخل
2

2017/11/09

شكرا
3

*

2017/11/09

لاحول ولاقوة الا بالله .. ..
يا أخواتي القابلات في أيديكن أرواح فانقذوهن ولكم اجر كبير ومقام عال عند الله
وكفانا اتهامات ..لا تستغلو ضعف الضعفاء فكيف لامراة ان لا تستقبل من ثلاث ولايات !
المنكر مشي مليح ماتغبنوش بنات الناس غدي تغبنو ذريتكم فكما تدين تدان وربي مع لي يخدم بالنية..
عمل متواصل وبه تنسيق ضعيف لذا على مديري المستشفيات اقتراح حلول باستشارة الاطباء والعاملين و الحزم معهم
الاكتظاظ هذا سمع به العالم وتعجبو الى تقييم الفرد لدينا ..الله يهديكم استروا خواتاتكم وبناتكم ربي يجازيكم كل خير
أضف تعليقك



اضغط مرتين على أي خانة كتابة لتظهر لوحة المفاتيح الافتراضية.
عدد الأحرف المتبقية 500

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:



إعلان
آخر فيديو
تفاعل