الثلاثاء 23 جانفي 2018 ميلادي الموافق لـ 7 جمادى الأولى 1439 هجري
أجساد بلا روح تنكّر لها المجتمع
أمّهات الأطفال المختطفين.. حلم اللقاء الضائع!
إيمان عويمر
2017/12/25
صورة: ح.م
  • 3762
  • 6
الكلمات المفتاحية :الجريمة، إختطاف الاطفال

تَبْكي أٌم فَاتح بحُرقة تُدمي العيْن والقلبَ فلذة كَبِدها المختطفَ مُنذ يَوم الأربعَاء المشؤوم.. جَسدُها باتَ هزيلاً ووَجهها شاحباً، فلا لقمةً "اخترقت" أمْعاءهَا ولا قَطرة ماء رَوت رمقهَا، فَارق النّوْم أجفانَها لتُعانقها الدّمُوع والألم والحسْرةَ.. نَذرَت لله صيَام الدّهْرِ في حال عوْدته سَالماً إلى أحضانهَا.

تَشْتمّ رَائِحة ابْنها فاتح في أرجَاء البيْت، تَتَلمّس ثيابَه لتُئنسَ وحْشتها، تُداعبُ صُورته وتبحثُ في هاتفهَا المحمُول عن فيدْيوهات جَمعتها به في لحَظات فَرح.

 

صرخات أمّ مقهورة

هُناك بمزرعة مُرسلي عبْد القادر، بمدينة دْوَاودة البحرية غرب العاصمة، الأجواء غير عادية.. الرُّعب والخوف يسْكُنان المكَان واسْتنفْار أمْني وشَعَبي عَقبَ اختفاء غَامِض "لفَاتِح رَمزي بُوجري" يَوم الأربِعاء 13 ديسمبر علَى السّاعة الثّانية والرّبْع زوالاً. الطّفل البَالغُ مِن العُمْر 8 سَنوات خَرج من مَدرسَته صاولي رابَحْ ولمْ يعُد إلى بيته العَائلي إلى حَدّ الآن.

تَتجرّع أُمّه مرَارة الانتظَار ولا تعْرفُ طَعْم الهنَاء ولا النّوم..تُحمل بِشكل يَومي إلى المسُتشفى مُنذ الفَاجِعة بسَبَب انْهيارات عَصبية ونَفسِيه تُصيبها كلّمَا اسْتفاقتْ مِن مُسكّناتها التي تُحقنُ بها للتّخفيف عَنْها.

التَفّ الجَميعُ حَولَها مِن أهْل وجِيرَان وأحبّة وأقَارِب غَيْر أنّ غِيَاب قرّة عَينِها جَعَل الدُّنْيا خَاويةً في نَظرِهَا. لاَ تؤنِسها مُواسَاة النّسْوة اللّوَاتي لمْ يفَارقنها منذُ الحَادِثة. عَودةُ ابنها فقَط  مَا يُخفّف حُزنها القابعَ في قَلْبها.

أَطْلقَتْ العَديدَ من الصّرخَات والآهَات مستعطفةً قُلوبَ الخَاطفين عَلّهم يَرأفُونَ بحالهَا لَكن هَيهاتَ هَيهاتَ..لاَ حَياةٌ لمنْ تُنادي.. لا حياة.

لِسَان حَالها يَقُول :" اشْتَقْتُ إليكَ يا عُمري الضَائِع وإلى يَديْكَ النَاعِمَتين..حَيٌ تُرْزق أنتَ أمْ مَيِتٌ لا أثَر لكَ؟..فَقَدْت طَعْم الحَياة فيِ غِيَابك..".

ورُغْم قَسَاوة الألم تَتَعهدُ أمْ فَاتِح " مُسْتَعِدَة للصَفْح عَنْ الخَاطِفين ومُسَامَحَتِهم شَريطَة عَوْدَتِه إلى البَيت سَالماً غانماً وَضَمِهِ إلى حُضْنِي ليَلتمّ شَمل العَائِلة مِنْ جَديِد".

إحْسَاسُ الوَالد هني لاَ يَقل مأسَاة عن زَوجته.. يَبدُو تائهاً فيِ رِحْلَة تَفْتيش عَنْ ابْنه تُشبه البَحث عَن إبْرة فِي كُومة قَشْ. تَوقَف عنْ الذَهابِ إلى العَمل وهَاتفه فقط من لاَ يُفارِقه لعل مكالمة هاتفية قد تصله تَدله عن مكان ابنه المختطف.  يَستذّكر شَريطَ حَياتِه في دقائِق ويَسأل نَفسهُ عنْ أسْبَاب اخْتفاءه الغامض، فَلا أعْداء ولا مَال لهُ حتَى يَبتزهُ الخَاطِفون.

 

آلة الاختطاف لا ترحم..

فاتح ، مُجرد رَقم آخَر في قَائمة الأطْفال المخْتَطَفين وقَبْله كثِيرون.. ياسِين، شَيماء، سندس، أنيسْ، نهال وَغيْرهِم اخْتطَفتهْم أيَاد غَادِرة منْ حُضْن أمَّهاتهمْ لتُعيدَهم إليهْن أشْلاءً متناثرةً وُضعَت في كيْس بْلاسْتيكي تَفُوحُ منْه رائحَةٌ تسُدُّ الأُنُوفَ أوْ جثّةٌ ناعمةٌ استْقرَّ بهَا الحالُ في قَاع البئْر. تُحاولُ الأمَّهاتُ عبثًا لمَلمَتها علَّها تظْفَر بآخِر ابتسَامة قبْل مُعانقَة التُّراب.

الأمْر ليسَ بالهيّن.. فآلَةُ اخْتطَاف الأَطفَال في الجَزائر لا تتوقَّف رحَاها لتلْتهم في كّل مَرّة بَراعِم في عمْر الزُّهور تنتهَي عمليّاتُ البَحْث المضْنيَة عنْهم في غَالب الأحْيَان بنهايَات تْراجيديَّة.

حِكايَة الاخْتطَاف تَبْدأُ منْ هُنا..تبْليغٌ عنْ اختفاَء يتَجنَّد لهُ الجميعُ، مُواطنُونَ ومصَالحَ أمنٍ وتقارِيرَ إِعْلاميَّة تمْطِر القنَوات والصُحف لتُسلِّطُ الضَّوء على الفاجِعَة وصَرخات لأمَّهاتٍ فُطِرتْ قُلُوبهنّ. وبعد رحْلةِ بحثٍ تدُوم أيّامًا أو أشْهر وأحيَانا سنوَات تُوضَع نقْطة الخِتامِ إمَّا باسْتلامِ الجثَّةِ أوْ حِفظ التَّحقيق في الأرْشيف.

 

كابوسٌ لاَ يُنْسى

المآسي التي تَتجرّعها الأمّهات تَبقى بَعيدَة عنْ دائِرة التَكفل النَفْسِي المتُخصِص رُغم قَسَاوتِها، فالجميعُ عايشْن نفسَ الكَابُوس لَكِن حِكَايَتُهنَ باتَتْ منْ الأَرشيف مضَى علَيْها الزّمَنُ ونُدبوهَا لا تزَالُ جَليّة في حَيَاتهن. وبيْن هَذا وذَاك تبْقى الأمُّ الحلَقَة المفْقُودَة والمنْسِيّة في حِسَابات الجَميع دُون تكفُّل نفْسِي يُخمِد بُركاَنها الثَّائرَ ونَارهَا المُلتهبَة.. وحدَهُما الصَلاة والدُعاء يخفِّفان عنهُن أوجاعهُن وأنينهُن المتجذِّر.

تجلِسُ السّيِدة كريمَة  تُقلِّب صفَحَات أَوجَاعها عَلى ابنتها الّتي "لنْ تَندَمل حتى بإيجَاد القَاتل". فابنتها نِهال سّي محنْد، الطِّفلة  ذَات الـ4 سَنوَات اخْتطِفت في 21 جويليَة 2016  في قَريَة أيْت تُودر بِولايَة تِيزِي وزُّو شَرْقي البِلاد، حين كَانتْ في زِيارَةٍ مَع أهْلهَا الَّذِين يقْطُنون بمدِينة وَهْران غَربي الجَزَائر، لحُضور حفْل زَفاف لأقَارِب العَائِلة.

هي وَاحدَة مِن أبْشع جَرَائم الاختطاف الّتي عايَشَها الجَزائريّونَ أَجمع. انْتهَت فُصُولها بمأْسَاة نكلت بجثَّتها وحولتها إلى أشْلاء "جمْجُمة متَفَحِّمة وهَيكَل عَظْمي، ومَلابِس عَليهَا آثَار دِماء بِالقُرب مِن مسرح الجريمة "، لتشيع نهال إلى مثواه الأخير في جنازة مهيبة هزت الرأي العام فبكى الصغير والكبير لفراقها.

المتأمّل في وَجه أمّها يخال أنّها تجَاوزت مِحنتها لَكنّ الحَقيقَة عَكس ذلِكَ تماماً. هي جسدٌ يَعيشُ دونَ روح..الكَوابِيس تُلاحِقها في صحْوها ونومهَا. باتَت تَخافُ من كلّ شيء تَلتفّ حَول نفْسها بِشكل لا إرادي عندَ خُروجِها من البَيت.

" تتملّكُني الهَواجِس كلًّما فكّرت في التحاق ابنتي الثانية بالرّوضة  خوفاً مِن أنْ يَعترضَها نفْس المصير" تَقُول السّيدة كَريمة. اعترافاتٌ تُؤكّد الآثار السِلبية التي خَلّفتْها الجَريمة عَلى أمّ نِهال وغيرها كَثيراتٌ دونَ أن تَجِد مداوياً لتلكَ الجِرَاح النّفسِية بعد كّل هاته السنَوات.

فأمّ نهال تسْتذكر تِلك اللّحظات المأسَاوية بِحسرة كَبيرة بِمجَرّد سُؤالِنا عَنْ تَردّدِهَا عَلى المخْتصِّين النّفْسانيِين، تقُول :" جَعلْت قُربي إلى الله والتذرّعُ له شِفاء لحالتي النّفْسيَة المزْريَة التي عِشْتُها بعْد فِراق فَلذة كَبدي التِي لنْ أنْسَاها إلى أنْ تُوافيني المنِية..عزائي الوحِيد "اللهمّ أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها".

تُضيف متَحَسّرة "لم يَتمّ التَكفّل بحَالتي النّفْسية فَلم تُزرْني المسَاعِدات الاجِتماعِيات ولا الأطِبّاء النّفسانيون طِيلة الفَترة الماضِية وكُلّ ما قيِل مُجرّد تصريحاتٍ للإعلامِ فقط..تنَكّر الجميعُ لحالتي بِمجرّد وَضع جثّة نِهال تحتَ التُّراب".

ولأنَّ كلّ حزن يبدأ كبيرًا وينتهي صغيرًا.. قرَّرت السَّيدة كريمة  الإنجابَ، إذ أكرمها الله بفتاةٍ عُمرها الآن سِتّة أشْهر، اسمتها نِهال ، إحياءً لذكرى ابنتها المتوفّاة.

وتوجّه السّيدة كريمة نداء إلى المسؤولين في البلاد للضّرب بيد من حديد لتطبيق عقوبة الإعدام على المجرمين حتّى يكونوا عبرة لمن يعتبر، لأنّ جريمة إبنتها لم تكن الأخيرة ولن تكون.

 

الرَّغبة في الثَّأر

وغير بعيد عن الطفلة نهال، لا يَزال طيْف البُرعم إبراهيم حشِيش (8 سنوات) يُخيم على المدينَة الجدِيدة عَليِ منجْلي في قَسَنطينة شَرق البِلاد، منْذ العُثور على جُثته زوالَ الثلاثاء 12 مارس 2013 داخِل حقيبَة رمَاها أحَدُ المجرمِين من الشُّرفة خوفاً من اكتشافِ أمرهِ.. الفاجعةُ زلزلتْ الرأي العَام، منذ اختطافهِ في  9 مارس 2013  في يَوم واحدٍ  معَ "هارون زكرياء بودايرة" (9 سنوات) الذي عُثر على جُثته بورشَة بنَاء داخِل كيْس نِفايَات أسْود.

مَرّت أربَع سَنَوات على رحِيل إبراهيم الطّفْل الوحيِد بين أَخَواتِه السَّبع، إلاّ أنّ عَائلتَه تَعيشُ الجحِيم ونَارهَا لم تنْطفئ، فالمجرمُون لم يتْم إلقَاء القَبض عليْهم بعْد.

 الرّغبة في الثّأر تلازِم السَّيد مُراد :" لم ننْسى الواقِعة التي قلبَت حياتنَا رأساً على عقِب.. المختطفُون حرمُوني ابني الوحِيد.. لا أعيشُ حياةً سَويّة أحياناً تراودُني أفكَار سِلبيّة وأرغَب في الانتقَام والثّأر لفَلذة كبِدي الّذي خلَّف في العائلة فراغاً رهيباً..لكنّني سُرعان ما أعُود إلى رشْدي وأسْتغفر الله ".

ويؤكّد المتَحدّث أنّ حالةَ زوجتِه صَعبة جدّاً خاصّةً وأنّ حَقّ إبراهِيم لم يُسترد بالقبْض عَلى المجرمين الذينَ حرقُوا عَائلات ودمّروهَا نفسياً.  سَألنَاه إن ما حَظيت العَائلة بِرعايَة نفسِية لتجَاوز الأزمة فيُضيف:" منذ سَنة 2013 نُسِيت قصّتُنا وأصبَحْنا من المَاضي، لا أحَد يلتَفت إلينَا ".

مُراد لم يَعد يرغَب في سَماع حِكايات عن الاختطافَات الّتي مسَّت شَريحة من الأطفال لكنّه لاَ يُخفي تأثٌّره من اختِطاف الطِّفل فاتح  رمزي بدواودة البحرية خاصّة والدتَه التي تمرُّ بحالة مُزرية"، ويتمسَّك بمطْلب تَطبيق عُقوبة الإعِدام في حَقِّ هؤلاء المجْرميِن.

 

التكفُّل النَّفسي.. الثَّقافة المغُيبة

الحقُوقيون والنفَسانيون والفاعِلون في المجتمع المدَني يعترفون بتقصِيرهم في التَكفّل بالمعَاناة النَّفسية للأمِّ المختطفِ طِفلها وغِياب مُخطّط وطَني للرّعَاية والمرافقة رغْم أنّ مَوجة الاخْتطَاف تَضرِب الجَزائر في العُّمق منذُ 6 سنوات.

ويُقرّ عبد الرّحمان عرعار، رئيس الشَّبكة الجزائرية للدِّفاع عن حقوق الطِّفل "ندى" "بوجود إهْمال لأقاربِ الضّحيِة سواءً الأمّ أو الأب أو الأطفال من ناحِية الرّعاية والتكفُّل بهم ومرافقتهم لمدة أطول وذَلك في كلّ الحَالات التي مسَّتها موجَة الاخِتطافات منذ 2011 إلى يومنا هذا وكذا  الحالاَت التي تمّ إفشَالها عبر المخطّط الوطني للإنذار الّذي بُني على مقاربة أمنِية ووزّع  على كلِّ الفاعِلين في المجتمع وحَتَّى وسَائِل الإعْلاَم".

ويرى أنَّه بمجرّد مُرور الحَادثة ومَوجة الغضَب والاسْتنكار والإجْراءات القضَائِية والوُصول إلى الجُنَاةِ  فإنَّ الاتِّصال يَقِل معَ أقارب الضَّحايا والمختصِّين إلاَّ بالنَّسبة لمن وفَّر لنَفسِه الرِّعاية النَّفسية وهَذَا نادِرا مَا يحدث ".

https://www.youtube.com/watch?v=SL2MYMW9fN8

عامين من الجحيم دون مرافقة ...

واسْتقبلت شَبكة نَدى حَالات اخْتِطاف لاَ يزَال مَصيرها مَجْهولا إِلى غاية الآن بَعد مُرور سَنوات مِن غِياب الأطْفال وذلَك عبر ولايتي قَسَنطينة وتبسَّة شَرق البِلاد وَ البْوِيرَة وَسَط البِلاد".

ويقُول عَرعار "تعَامَلنا في شَبكة نَدى مَع بعْض الحَالات الّتي لم تَظهر أيّ مَعلومات عَنها لحدِّ السَّاعة رَغم مُرور سَنة أو سَنتين فَهي حالات تتطلّب تكفُّلا نفسيَّا كبيرًا لأنَّها مُستعصية وَلابد مِن مُعَالجتها".

يحْدُث هَذا في ظلِّ تحذيرات مِن عَواقب غياب التكفل النفسي بالضحايا، كاهْتزاز شخصيَّة الإنْسان وَعدم التَّوازُن ورُدود أفْعال سلبيَّة وإمكانيَة الرُّجوع إلى مَا حدَث في أيِّ لحظة ".

ويَلفِتُ النَّاشط الاجْتماعي انتبَاه السُّلطات العُموميَة لضرورَة مُراجعة مَنظومة التَّكفُّل بالضَّحايا وإيجَاد حلّ للعَجز المسجَّل في عدَد المَرافق الصّحيَّة حتَّى يَتسنَّى لهَا رعايتهم بشكل حَقيقي، دَّائم ومستدَام بَعيدا عَن الإجْراءات القَضائية".

وتُطالب شَبكَة "نَدى" بِالاسْتثمار في المَوارِد البَشرية المتخصِّصة الّتي تضْمَن المرافِقة عَلى مُستوى الأَحْياء لأنَّ تفشِّي الظَّاهِرة نَاجم عنْ انْتشار الجَريمة بكل أنواعها وضُعف آليَّات الوقاية وحمَاية الأطفَال الَّتي لاَ تزال هشَّة وتُعاني مِن فرَاغات ظاهرة للعيان".

 

أمَّهات تنهارُ حياتهنَّ

"بعضهنَّ فقَد الرَّغبة في الإِنجاب وَأخْريات جفَّ نبْع حنَانهنَّ وهناكَ من حقدْن علَى المجتمع لأنَّهنّ لمْ يتمكّن منْ إيجَاد القاِتل وَلا يرضِين بغَير عُقوبة القِصَاص بَديلا ". هَذا مَا وقَف عليه الدُّكتور أحمد قورَاية المختصّ في علم النَّفس مِن خِلال احْتكاكَه بِهذه الحَالات.

وَقال إنَّ الحَالات النَّفسيَّة المُتدهوِرة للنّساء اللَّواتي فقَدن أبناءهنّ جرّاء الإختطاف ترجع إلى إحساسهنّ بالغربة في مجتمعهنّ فقد كنّ يعتقدن أنّهن يَعشن في مجتمع آمِنٍ ويتمتّعن بثقة في محيطهنّ  وجيرانهنّ لكن بمجرّد وقُوع فِعل الاختطاف ينقَلب كلّ شيء في ثَواني وتقَع الصَّدمة النّفسية ويدْخُلن في مَرحلة اللّاوعي ذات الآثار النَّفسية الوخِيمة.

وبحسَب مُحدّثنا فإنّ "المعَالجة النّفسية تكُون بمجرَّد وقُوع الاختطاف وطيلَة فتْرة البَحث عن الطِّفل المختَطف.. وحتّى بعدَه لكنَّ هذا نَادِرا ما يحصُل وتكُون المعَالجة النَّفسية هنا مقتَصرة على مواسَاة الجيران وأفرَاد العائِلة بمعني المحِيط الضَيّق وهو ما يخلِق نوعاً من التَّوازن النَّفسي والعقلي لكنَّ الأصح هو ضمان  التَّكفّل النّفسي من قبل مختصِّين وعلى مُستويَات أعلى، لأنّ الاختطاف ليس هيِّناً وصدمَته تضْرب في العُمق ويفقِد صَاحبها الرَّغبَة في الحيَاة".

ويكشِف  قوراية،  عن حالات انهَارت حياتهنَّ بعد أن هَجرن أزواجهنَّ ورفضنَ العلاقات الحميمة". ويستطرد " للأسف مجتمعنا استثمَر في عدَة مجَالات ولم يستثمر في الكائن البشري.. نحتاج إلى مخطَّط وطني وبرامج نَفسيه واجتماعية وغرس هذه الثَّقافة  في المجتمع عن طريق التَّوعية و التَّحسيس لأنّنا اليوم أمام مجتمع 70 بالمائة من أفراده يُعانُون من أمرَاض نفسِية وهو ما يخْلق لنا أجيَالا غير سَوية مستَقبلا".

"..عدم الاهتمام بالأمّ  الّتي اختطف ابنها أو ابنتها قد يكون مفتاحاً لدخول عالم الجنُون واللّاعقلانية، لأنّ من تَستطيع التَّغلبَ على حَالهَا هي فقط من تَكون دَرجة إيمانِها عاليَة جداً" يضيف الدكتور. 

 

جمعيات تنفض يدها

وفي ظل هذا الوضع، توجه انتقادات لاذعة للجمعيات المعتمدة في الجزائر والّتي تعنى بالطّفل والمرأة، على أنها غير فاعلة بشكل كافٍ في الميدان فيما يتعلّق بالمشاكل النّفسية والقانونية.

لكنّ السّيدة نفيسة لحرش، رئيسه جمعية المرأة في اتّصال ترفض الانتقادات الموجّهة للجمعيّات وتقول : " نحن متواجدون في الميدان ونقوم بواجباتنا حسب إمكانياتنا المتواضعة ..فالعمل الجمعوي بحاجة إلى دفعة قوية وإرادة سياسية لتطويره وهذا ما نناضل من أجله.

 وتعتقد أن العنف الأسري وخاصة ضد المرأة أخذ أبعادا خطيرة يستحقّ الاهتمام أكثر لأنها مهمة الجميع، ولاحظت أنّ المجتمع الجزائري فقد تماسكه بسبب الجرائم المتفشية لعل من أبرزها ظاهرة إختطاف الأطفال التي تُخلف مآسي". وتضيف نفيسة لحرش:" في حالات عديدة يتورّط فرد من العائلة في عمليّة الاختطاف إما بسبب النّزاعات العائلية أو المخدّرات وهذا ما نحاول معالجته على مستوى جمعيتنا".

 

القانون يتجاهل التكفّل النّفسي

"التكفُّل النَّفسي له الكَثير من الآثار الإيجابية والجيِّدة على المرأة الّتي فقدت أبناءها، حيث يخرجها من دوَّامة القَلق والتوتُّر والشُّعور بالخوف وعدم الاطمئنان". يقول الحقوقي بوجمعة غشير :" لكنّ ذلك مفقود في الجزائر ويتمُّ التَّركيز فقط على الطِّفل المختطف والبَحث عنه ونهمل الأمّ".

ويَغفَل القانون الجزائري بحسب غشير الرّعاية النّفسية،حيث لا توجد مادّة صريحة تنصّ على إيلاء العناية للأمّ أو الأهْل المختَطف أبناءهم، ويُضيف :"مصالح النَّشاط الاجتماعي والمسَاعدات الاجتماعيات غائِبات في الميدان طيلة مَرحلة البَحث عن الطِّفل، لأنَّ الاختطاف يخلِّف أثار عميقة والملاذ الوحيد يكمن في المعالجة النَّفسية لتفريغ الهموم.. وفي حال عدم التَّكفُّل بالأمَّهات نستطيع أن نفقدهنَّ من شدَّة الحزن خاصة بالنِّسبة للّواتي يعانين من أمراضٍ مزمنة كالسُّكَّري وضغط الدَّم".

أما المحامية فاطمة الزهراء بن براهم، فتطالب بضرورة بقاء ملفات الأطفال المختطفين مفتوحة ومواصلة التحقيق حتى ولو ظهرت الحقيقة بعد عشرين أو ثلاثين عاما ، كما هو معمول به في جميع دول العالم. وتؤكد :" أصدقك القول أن تجربتي  وتمرسي في مهنة المحاماة جعلني أطلع عن قرب على كل المشاكل الاجتماعية التي تعيشها الأسر، طلاق، خلع، قتل..وغيرها، لكنني لا أتمالك نفسي عندما أسمع عن حالة إختطاف طفل لأنني أدرك جيدا أننا سنخسر عائلة بأكلمها وفي مقدمتها الأم، خاصة في ظل غياب التكفل والرعاية النفسية".

 

220 محاولة اختطاف سنويا

تسجل الجزائر 220 محاولة اختطاف سَنويا، حسب إحصائيات رسمية تمَّ إفشال 55 محاولة اختطاف وإرجاعهم إلى أهاليهم سنة 2017. وساعد مخطّط التّبليغ وبرنامج اليقظة، الّذي أطلقته الجزائر في  2012، وتمّ توسِيعه في سنة  2016  على التقليص من محاولات الإختطاف.  لكن  الرّابطة الجزائرية لحقوق الإنسان، تؤكد أنّ الجزائر تحتلّ المرتبة الأولى في الوطن العربي من ناحية تسجيل قضايا الاختطاف.

وبلغة الأرقام دائما تمّ إحصاء 13 ألف اعتداء على الأطفال سنة 2017 يشمل مختلف أشكال الاعتداء الجنسي و الجسدي وسوء المعاملة،  2100 طفل في خطر. 4400 حالة اعتداء وعنف على الأطفال. أي أزيد من 6000 حالة اعتداء في الفضاء الحضري دون احتساب الاعتداءات التي يتعرّض لها الأطفال في الفضاء الرّيفي. وإحصائيات الدّرك الوطني والحالات الّتي تمّ تحويلها مباشرة إلى العدالة. فعلا إنها أرقام مخِيفة تُظهر العنف المسجّل على الأطفال في بلادنا وتستوجب دق ناقُوس الخَطر.

 

أمّهات حارسات

ألقَت حالاَت الاختِطافات التي سَجّلتها الجزائر بِظلالِها على بقيَّة العائلات، فالخَوف والرُّعب سَكن الأهَالي وتحوَّلت الأمَّهات إلى حارسَات شخْصيات لأبنائهنَّ مع قائمَة ممنُوعَات طَويلة ..فلا حَديث معَ الغُرباء  ولا ابتَعاد عنْ محيِط المنْزل.

تُرافق أمّ هبة، الّتي إلتقيناها بالحرَّاش الواقعة بالضَّاحية الشَّرقية للعاصمة" إبنتها كلَّ صبَاحٍ ومسَاءٍ أثنَاء تَنقُلها إلى مَدرسَتها الابتِدائية تفادياً لأيّ مكْرُوه قدْ يُصِيبها، فهِي على هَذِه الحَالة منذُ 2016.

وتَروي:" أصْبحْت أعَاني من فُوبيا الاخْتطاف وأَحْرصُ علَى الذَّهَاب باكراً لانتظَار ابنتي حتَّى أضْمن أنَّها بخير.. لا أخْفِيكم أنا مَرعُوبة جدّاً من سِينَاريُو سَرقة الأطْفَال".

 تُشَاطرهَا أُمّ أيمن نَفس الرّؤية:" كِدْت أصَاب بانِهيار عَصبيّ فيِ أحد الأيَّام بِسببِ ابني الذّي غادر المدرسَة بعْد أن تمّ إخِبارهم بغيَاب مُعلّمتهم، وعِوض أنْ يَنتظرني عَاد بمُفرده إلى المنْزل..مِن شدّة تأثّري أوسَعتهُ ضَرباً" تقول.

اخْتطافٌ بَات يُشكِّل هَاجِساً مُرعباً بالنِّسْبَة للأطْفال أنْفُسِهم إذْ يُحدِّثُنا والد نَبيِل :" وَاجَهت صُعوبَة مع ابني الّذِي لَمْ يَعُد يَرغَبُ في التَنَقُّل إلى المَدْرسَة خَوفاً مِن أَن يُصِبَه مَكْرُوه فحَادثَةُ سَرقَة الأطْفال وقَتْلهم فِيها بَعْد كَما حَدَثَ معَ سُندسْ، نِهال وشيماء أثّر كَثيراً عَلينَا كَجزائرييِن".

وفي انتظار معرفة مصير الطفل فاتح رمزي، تُذرف دُموع الحزنِ والأسى وتُرفع أكف الدعاء متضرعة لله أن يرْحم البراءة المغْدورة وينتقِم من القتلة المجرمين وأن يحمي الله مربيات الأجيال ويعينهن على مواصلة المشوار. 

فيديو

طالع ايضا
التعليقات (6 نشر)
1

med

جزاير

2017/12/26

بالله عليكم جيبو انضمة التتبع و ضعوها في المحافض انتاعهم
2

ام دنيا

2017/12/26

عندما يغيب الضمير ويتجرد الانسان من صفة الانسانية تختطف البراءة..تقتل وتغتصب....كان الله مع كل من ابتليت بهذا الامتحان الصعب الذي يكون زلزلا يضرب حياة العائلة فيدمر سعادتها...وتكون فيه الليالي طويلة والاحزان عميقة.
3

أم حسن

2017/12/26

ليس الايمان فقط من أكبر النعم التي منا بها الله تعالى على بني البشر بل هو أيضا ضرورة قصوى وحاجة ملحة لكل منا كيف بامكان أي منا أن يتأقلم مع فكرة فقدان من هم أغلى ما لديه لولا ايمانه بأن ذلك هو بقضاء الله تعالى وبأن من يحبهم قد أصبحوا في كنف أرحم الراحمين كيف بامكان أم فقدت طفلها فلذة كبدها واغلى ما لديها ان تستسلم لقضاء الله ما لم تؤمن بأن طفلهابين يدي الله سبحانه هذا عدا أن ايمان المرء بالثواب والعقاب هو دون شك ما يدفعه الى التحلي بمكارم الاخلاق فعندما يعمر قلب الانسان بالايمان تخرج منه
4

يتبع

2017/12/26

عصارات الذنوب الايمان هو الذي يملأ نفس المرء بالشجاعة والعزيمة والمقدرة الايمان الحقيقي هو مصدر القوة الوحيد في هذا العالم ومن خلاله تجد دوما الوسيلة لقهر المصاعب والتغلب عن العقبات وان الله تعالى يرى ما في اعماق النفوس من الخير ولان يده الكريمة هي التي توجهنا اليه والخوف يبعد الانسان عن الله تعالى العزيز القدير أما الحب فهو ما يمنح البشر الشعور بالامان والاطمئنان
5

أم نور

2017/12/26

يقول الله تعالى في سورة البقرة : ( وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ )
عندما قتل الخضر عليه السلام الغلام كان هذا بمنظور البشر قمة السوء وهل يوجد أسوأ من ان يفقد الانسان فلذة كبده ويدفن بيده قطعة من قلبه ولكن الله
6

يتبع

2017/12/26

الله رحيم يفجع الانسان في الدنيا ليداويه في الاخرة فاي قدر أصعب أن يفقد ا ولدا ويصبرا لألم الفقد ويربحا الجنة أم يخسرا الدنيا والاخرة معا هذه الدنيا دار شقاء ومكابدة ولعل البلاءات كلها اختبارات يريد أن يجزي الصابر ويعاقب الساخط فاياك أن ترسب في الاختبار
أضف تعليقك



اضغط مرتين على أي خانة كتابة لتظهر لوحة المفاتيح الافتراضية.
عدد الأحرف المتبقية 500

الرجاء إدخال الرمز الذي يظهر في الصورة:



إعلان
آخر فيديو
تفاعل